فخر الدين الرازي
148
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : ادْخُلُوها بِسَلامٍ . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها . ثم قال تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ / من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع اللّه ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ، وعن علي عليه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، و حكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما واللّه إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال اللّه تعالى في حقهم : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فقال الحرث : كلا بل اللّه أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور ، و روي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة . وقد نقى اللّه قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله : إِخْواناً نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] وقوله : عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال : سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو : سرر وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني : السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس : يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله : مُتَقابِلِينَ التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله : لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ والمراد به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان . واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة . أما القيد الأول : وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وأما القيد الثاني : وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله : ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ لأن اللّه سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال . وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر ، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار الروحانية فهي الحقد ، والحسد ، والغل ، والغضب ، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ / إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله : لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ إشارة إلى نفي المضار الجسمانية .